مقالة · 22 سبتمبر 2026 · 5 دقائق قراءة
نار لا تطفئها القوانين!
الفوسفور الأبيض وحقيقة الحماية الدولية في جنوب لبنان
إعداد JATHWA — Legal Unit معهد جذوة للدراسات القانونية والاستراتيجية والتدريب

المحتويات
أعاد الاستخدام الموثق لذخائر الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان خلال عام 2026 تسليط الضوء على إشكالية قانونية تتجاوز مشروعية استخدام سلاح بعينه، لتطال مدى كفاية الإطار الدولي القائم في مواجهة الأسلحة التي تُحدث آثاراً حارقة شديدة الخطورة على الإنسان والبيئة المدنية.
في تقريرها الصادر في أيلول/سبتمبر 2026، بالتعاون مع International Human Rights Clinic في كلية الحقوق بجامعة هارفرد، تناولت Human Rights Watchالآثار الإنسانية للفوسفور الأبيض، إلى جانب الثغرات التي ترى أنها قائمة في النظام القانوني الدولي المنظم للأسلحة الحارقة.
01أولاً: لبنان في مرآة التقرير
تكتسب حالة جنوب لبنان أهمية خاصة في هذا النقاش، لأنها تقدم مثالاً عملياً على الإشكالية التي يطرحها التقرير بشأن الفجوة القائمة في التنظيم الدولي للأسلحة ذات الآثار الحارقة.
فقد تحققت Human Rights Watch من استخدام القوات الإسرائيلية ذخائر مدفعية من الفوسفور الأبيض فوق منازل في بلدة يحمر في جنوب لبنان في 3 آذار/مارس 2026، حيث وثقت المنظمة استخدام ذخيرتين على الأقل، وحددت جغرافياً ثماني صور للواقعة، أظهرت بعضها عمليات إخماد حرائق على أسطح منازل وفي سيارة، إضافة إلى دخان متصاعد من شرفات أحد المنازل.
ولا تقتصر الوقائع التي يتناولها التقرير على هذه الحادثة. فبحسب البحث الذي أجراه أحمد بيضون، الباحث في جامعة TU Delft والمهتم بتوثيق استخدام الفوسفور الأبيض في لبنان، جرى التحقق من 22 حادثة لاستخدام الفوسفور الأبيض في الهجمات الإسرائيلية في جنوب لبنان بين آذار/مارس وأيار/مايو 2026، شملت استخدام 33 ذخيرة. وتم تحديد مواقع 17 من هذه الحوادث في الخيام وأرنون ويحمر وزوطر، ثم قامت Human Rights Watch بالتحقق منها وتحديد مواقعها بصورة مستقلة.
كما يوثق الأرشيف الذي أعده بيضون ما مجموعه 286 «ضربة» أو انفجاراً لذخائر الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأيار/مايو 2026. ويوضح التقرير أن هذه الضربات تعود إلى 189 حادثة.
وتعكس هذه الوقائع، وفق التقرير، جانباً من المشكلة الإنسانية التي تثيرها ذخائر الفوسفور الأبيض، ولا سيما عندما تستخدم في مناطق مأهولة. فالتقرير يخلص إلى أن استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض التي تنفجر في الهواء فوق المناطق المأهولة يكون عشوائياً، وبالتالي ينتهك القانون الدولي الإنساني.
تكشف الحالة اللبنانية عن فجوة محتملة بين الغرض التصميمي للسلاح والآثار الإنسانية الفعلية لاستخدامه. وهذه الفجوة هي التي ينطلق منها التقرير في بحث مدى كفاية قواعد القانون الدولي الإنساني القائمة، وفي طرح الحاجة إلى قواعد أكثر تحديداً تحمي المدنيين من الأسلحة ذات الآثار الحارقة، بصرف النظر عن الغرض الأساسي الذي صُممت الذخيرة لأجله.p
02ثانياً: الطبيعة المزدوجة للإشكالية
يُستخدم الفوسفور الأبيض عسكرياً، من بين أمور أخرى، لأغراض الدخان والإخفاء والإضاءة وتحديد المواقع. إلا أن خصائصه الفيزيائية تجعله شديد الاشتعال عند تعرضه للأكسجين، وقد تؤدي هذه الخاصية إلى حروق عميقة ومؤلمة، وأضرار تنفسية وجسدية بالغة، وآثار صحية ونفسية واجتماعية قد تمتد مدى الحياة.
ومن الناحية القانونية، لا يكفي وصف المادة بأنها «كيميائية» للقول بانطباق نظام حظر الأسلحة الكيميائية عليها؛ إذ يرتبط التكييف القانوني، في هذا السياق، بالغرض من استخدام المادة وطبيعة تأثيرها المقصود. ولذلك لا تُنظَّم ذخائر الفوسفور الأبيض، باعتبارها كذلك، باعتبارها أسلحة كيميائية بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية عندما يكون استخدامها قائماً على خصائصها الحارقة أو الدخانية.
03ثالثاً: البروتوكول الثالث وثغرة التعريف
يشكل البروتوكول الثالث لعام 1980 الملحق باتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة أحد أهم الأطر التعاهدية الدولية الخاصة بالأسلحة الحارقة.
إلا أن الإشكالية تكمن في نطاق تعريف السلاح الحارق والمعيار الذي يربط الخضوع للبروتوكول بالغرض الأساسي الذي صُمم السلاح من أجله.
فبعض ذخائر الفوسفور الأبيض تُصمم أساساً لأغراض الدخان أو الإضاءة، رغم أن استخدامها قد ينتج عنه تأثير حارق شديد.
وعليه، لا تتمثل المسألة القانونية في القول إن البروتوكول الثالث «لا ينطبق إطلاقاً» على الفوسفور الأبيض، وإنما في أن صياغته الحالية لا تستوعب بوضوح جميع صور الذخائر والاستخدامات ذات التأثيرات الحارقة.
وهنا تظهر الفجوة بين التكييف القانوني للسلاح وبين النتيجة الإنسانية الفعلية لاستخدامه.
04رابعاً: التمييز بين الوسيلة والنتيجة الإنسانية
القانون الدولي الإنساني لا يقوم فقط على تصنيف الأسلحة، بل على مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى الحد من معاناة الإنسان أثناء النزاعات المسلحة.
ومن أبرز هذه المبادئ:
مبدأ التمييز، ومبدأ التناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة، وحظر إحداث معاناة لا ضرورة عسكرية لها.
ومن ثم، فإن تقييم استخدام الفوسفور الأبيض لا ينبغي أن ينحصر في السؤال عما إذا كان السلاح يقع تقنياً ضمن تعريف معين، بل يجب أن يشمل أيضاً مكان استخدامه، وطريقة استخدامه، والهدف العسكري، والآثار المتوقعة على المدنيين والأعيان المدنية.
05خامساً: شرط مارتنز والحدود الأخلاقية للقانون
تكتسب شرط مارتنز (Martens Clause) أهمية خاصة في هذا السياق.
فغياب قاعدة تعاهدية صريحة لا يعني أن سلوكاً معيناً يقع خارج نطاق الاعتبارات الإنسانية للقانون الدولي.
ويُبقي شرط مارتنز على مرجعية مبادئ الإنسانية ومقتضيات الضمير العام في الحالات التي لا تكون فيها الحماية القانونية قد استُكملت بنص تعاهدي محدد.
ومن هذه الزاوية، يطرح التقرير سؤالاً يتجاوز التقنية القانونية:
هل يمكن أن يظل الإطار القانوني الدولي كافياً عندما تكشف الممارسة عن سلاح يمكن أن يؤدي إلى هذا المستوى من المعاناة، بينما تسمح صياغة القواعد القائمة بإمكانية الإفلات من نطاقها في بعض حالات الاستخدام؟
06سادساً: نحو تطوير القاعدة الدولية
تكشف قضية الفوسفور الأبيض عن إشكالية أوسع في قانون نزع السلاح والقانون الدولي الإنساني:
ماذا يحدث عندما تتقدم وسائل وأساليب الحرب بوتيرة أسرع من تطور القواعد التي تنظمها؟
إن معالجة هذه الإشكالية لا تستلزم الاكتفاء بتفسير النصوص القائمة، بل تستدعي بحث مدى الحاجة إلى تطوير قواعد دولية أكثر وضوحاً وشمولاً بشأن الأسلحة ذات التأثيرات الحارقة، بما يضمن ألا يؤدي اختلاف الغرض التصميمي للسلاح إلى إضعاف الحماية الإنسانية التي يفترض أن يوفرها القانون.
وبحسب التقرير، فإن أقصى درجات الحماية الإنسانية يمكن أن تتحقق من خلال اعتماد قواعد دولية أقوى، وصولاً إلى النظر في حظر إنتاج هذه الأسلحة ونقلها وتخزينها واستخدامها.
07الخلاصة
لا تكمن الإشكالية القانونية في الفوسفور الأبيض بوصفه مادة أو سلاحاً فحسب، وإنما في السؤال الأعمق حول قدرة القانون الدولي الإنساني على سد الفجوة بين تصنيف السلاح وبين حجم المعاناة التي يمكن أن يحدثها استخدامه.
وفي النزاعات المسلحة، لا ينبغي أن تكون حماية المدنيين رهناً بثغرة في التعريف أو بحدود تقنية لنص تعاهدي.
فحين لا تكفي القاعدة القائمة لحماية الإنسان، يصبح تطوير القاعدة جزءاً من مسؤولية المجتمع الدولي.
تواصل معنا
اقتباس أو إعادة نشر أعمالنا
للاستفسارات الصحفية أو طلبات الاقتباس أو إذن إعادة النشر، يرحّب فريقنا بمراسلات الباحثين والصحفيين والمنظمات الشريكة.