تخطَّ إلى المحتوى
الأخبار

مقالة · 23 سبتمبر 2026 · 8 دقائق قراءة

استهداف دور العبادة والرموز الدينية في جنوب لبنان: التكييف القانوني وفق أحكام القانون الدولي الإنساني

تستعرض هذه الدراسة التحليلية الانتهاكات الجسيمة التي طالت المساجد، الكنائس، والأيقونات الدينية في جنوب لبنان خلال عام 2026، مع تحليل للإطار القانوني الدولي المسير لحماية الأعيان المدنية والتراث الروحي، وتقييم مدخلاتها كجرائم حرب مفترضة.

إعداد مركز جذوة للدراسات القانونية والاستراتيجية والتدريب

يُثير تضرر وتدمير عدد من دور العبادة والمنشآت والرموز الدينية في جنوب لبنان خلال الأعمال العدائية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي مخاوف جدية بشأن مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما الأحكام المتعلقة بحماية المدنيين والأعيان المدنية والممتلكات ذات القيمة الدينية والثقافية. وتتمتع المساجد والكنائس والأديرة وأماكن العبادة، كقاعدة عامة، بالحماية المقررة للأعيان المدنية، ولا يجوز استهدافها لمجرد وجودها في منطقة تشهد عمليات عسكرية.

01أولاً: الإطار القانوني لحماية دور العبادة

021. اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 – المادة 27:

تكفل هذه المادة للأشخاص المحميين احترام معتقداتهم وممارساتهم الدينية، وتلزم أطراف النزاع بمعاملتهم معاملة إنسانية، مع حمايتهم بصورة خاصة من أعمال العنف والتهديدات والإهانات. ولا تقتصر هذه الحماية على السلامة الجسدية للمدنيين، بل تمتد لتشمل احترام حرية الشعائر وحماية الوصول إلى أماكن العبادة؛ لذا فإن أي اعتداء أو إهانة للرموز الدينية تشكل مساساً بهذه الأحكام الحامية.

032. البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 – المادة 52:

تقرر القاعدة العامة لحماية الأعيان المدنية، بحيث تُعد دور العبادة أعياناً مدنية يُحظر استهدافها أو جعلها محلاً لأعمال الانتقام. ويشترط القانون الدولي الإنساني لتحول أي عين مدنية إلى هدف عسكري أن تسهم إسهاماً فعالاً في العمل العسكري، وأن يحقق تدميرها ميزة عسكرية محددة. كما تقرر الفقرة الثالثة أنه عند وجود شك في استخدام مكان مخصص عادةً لأغراض مدنية (كدور العبادة)، يُفترض عدم استخدامه لأغراض عسكرية.

043. البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 – المادة 53:

تُقدم حماية خاصة ومحددة للأعيان الثقافية والأماكن الروحية، إذ تحظر توجيه أي أعمال عدائية ضد المعالم التاريخية وأماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب، أو استخدامها لدعم المجهود العسكري، أو جعلها هدفاً للهجمات الانتقامية.

054. القانون الدولي الإنساني العرفي:

تُؤكد القاعدة 7 مبدأ التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. وتوجب القاعدة 38 إيلاء عناية خاصة أثناء العمليات العسكرية لتجنب إلحاق الضرر بالمباني المخصصة للأغراض الدينية والتاريخية والتعليمية. بينما تُقر القاعدة 104 بشكل مستقل وجوب احترام المعتقدات والممارسات الدينية في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

065. اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية:

تعزز حماية الممتلكات ذات القيمة المعمارية أو التاريخية أو الدينية في حالات النزاع المسلح. ويُعد كل من لبنان وإسرائيل طرفين في هذه الاتفاقية؛ مما يرتب التزامات قانونية دولية صريحة بحظر المساس بها.

07ثانياً: دور العبادة والرموز الدينية المتضررة

بلغ عن عدد من الحوادث التي طالت دور عبادة ورموزاً دينية في جنوب لبنان خلال عام 2026، أبرزها:

081. استهداف مسجد في برعشيت

التاريخ: منذ 2 آذار/مارس 2026. المكان: بلدة برعشيت – قضاء بنت جبيل – جنوب لبنان.

أفاد التقرير بأن الجيش الإسرائيلي استهدف مسجداً في بلدة برعشيت، ما أدى إلى تدميره بشكل كامل، في سياق غارات استهدفت، بحسب التقرير، بنى تحتية مدنية ومؤسسات اقتصادية ومجمعات طبية وفرق إسعاف.

أبرز ما جاء في الخبر: تدمير المسجد بصورة كاملة، مع الإشارة إلى أن المسجد ليس أول دار عبادة تتعرض للاستهداف في الجنوب اللبناني، كما استمرار الغارات والقصف في منطقة بنت جبيل والبلدات المحيطة، وإلى عودة بعض سكان برعشيت إلى البلدة رغم الظروف الأمنية (موقع نبض).

092. تحطيم تمثال السيد المسيح في بلدة دبل

التاريخ: 19 نيسان/أبريل 2026 تقريباً، مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن الواقعة في 20 نيسان، وتغطيتها في 21 نيسان. المكان: دبل – جنوب لبنان.

أظهرت جريدة النهار لقطات تسجيلية مصورة جندياً إسرائيلياً يحطم تمثالاً للسيد المسيح باستخدام معول في بلدة دبل جنوب لبنان، وأقر الجيش الإسرائيلي بالواقعة، معلناً أن الجندي الذي ألحق الضرر بالتمثال والجندي الذي صوّر الحادثة سيُستبعدان من الخدمة، بينما استُدعي جنود آخرون كانوا حاضرين ولم يمنعوا الواقعة للتحقيق/جلسات توضيحية. وأفادت مصادر صحافية بأن التحقيق العسكري اعتبر الواقعة مخالفة للقيم العسكرية. هناك توثيق مصور وإقرار من الجيش الإسرائيلي بوقوع الحادثة نُشرت عبر مواقع التواصل الإجتماعي .

103. تدمير مسجد الشيخ راغب حرب

التاريخ: 21 نيسان/أبريل 2026. المكان: حبشيت – جنوب لبنان.

أفاد مصدر الخبر بأن غارة إسرائيلية أدت إلى تدمير مسجد الشيخ راغب حرب ومحيطه في بلدة حبشيت جنوب لبنان.

أبرز ما جاء في الخبر: ظهور مشاهد توثق حجم الدمار الذي أصاب المسجد ومحيطه، ونسبة الغارة إلى الجيش الإسرائيلي، مع الإشارة إلى أن الغارة وقعت في ظل هدنة كان قد أُعلن عنها لمدة عشرة أيام، وارتباط الواقعة بسياق التصعيد العسكري في جنوب لبنان.

فإن الواقعة تثير انتهاكاً دولياً للحماية المقررة للأعيان المدنية ودور العبادة بموجب المادتين 52 و53 من البروتوكول الإضافي الأول، فضلاً عن القاعدة العرفية 38.

114. الاعتداءات على الكنائس والرموز المسيحية في لبنان

التاريخ: 25 نيسان/أبريل 2026. المصدر: صحيفة «الأخبار».

نشرت صحيفة «الأخبار» تقريراً تناول وقائع مرتبطة بمواقع ورموز مسيحية في جنوب لبنان، من بينها قيام جنود إسرائيليين بتصوير مشهد ساخر يشبه حفل زفاف داخل كنيسة في دير ميماس، جنوب لبنان، إضافة إلى تحطيم تمثال السيد المسيح في بلدة دبل جنوب لبنان.

كما يربط هذا التقرير هذه الوقائع بسلسلة أوسع من الاعتداءات التي طالت رموزاً ومواقع دينية مسيحية في لبنان وفلسطين، ويذكر تضرر كنائس ورموز مسيحية خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة.

كما تتطلب هذه الوقائع تمييزاً بين نوعين من الانتهاكات: أولاً، الأضرار المادية أو أعمال التخريب ضد أماكن العبادة والرموز الدينية، التي يمكن أن تدخل في نطاق الحماية المقررة للأعيان المدنية والممتلكات الدينية والثقافية؛ وثانياً، الأفعال المهينة أو الساخرة داخل أماكن العبادة، التي قد تثير انتهاكاً دولياً لقواعد احترام المعتقدات والممارسات الدينية، ولا سيما عندما يكون الفعل صادراً عن أفراد تابعين لطرف في النزاع أثناء وجودهم في منطقة خاضعة لسيطرتهم أو لعملياتهم العسكرية.

والافت في التقرير أن جزءاً من الوقائع جرى توثيقه من خلال صور ومقاطع نشرها جنود إسرائيليون أنفسهم، وهو ما يبرز أهمية المواد المصورة كمصادر للتوثيق.

125. هدم دير ومدرسة في يارون

التاريخ: 3 أيار/مايو 2026. المكان: يارون – جنوب لبنان. المصدر: الجزيرة نت.

في 1 أيار/مايو 2026 أفادت الوكالة الوطنية للإعلام نقلاً عن Elnashra news وفق ما نقلته وسائل إعلام لبنانية، بأن الجيش الإسرائيلي نفذ عملية هدم لدير ومدرسة راهبات المخلصيات في بلدة يارون، بعد سلسلة من عمليات النسف والتفجير في البلدة.

كما نشرت الجزيرة في 3 أيار/مايو تقريراً تناول مقطعاً مصوراً قيل إنه يوثق هدم الدير والمدرسة، مشيرة إلى وجود روايتين متعارضتين بشأن الواقعة: جهات اعتبرت ما حدث تدميراً لموقع ديني تاريخي، في حين أفاد الجانب الإسرائيلي بأن الأضرار وقعت أثناء نشاط عسكري في المنطقة، مع إشارته إلى وجود تهديدات وبنى تحتية عسكرية.

تحدث التقرير عن مقطع فيديو قيل إنه يوثق هدم دير ومدرسة راهبات المخلصيات في بلدة يارون، ضمن عمليات هدم وتفجير طالت أيضاً منازل ومحال وطرقات ومعالم في البلدة. وأبرز ما جاء في الخبر: أن المدرسة كانت مؤسسة تعليمية تاريخية خرّجت آلاف الطلاب، وأن جمعية عمل الشرق الكاثوليكية اعتبرت الواقعة تدميراً متعمداً لمكان عبادة. كما تحدثت مؤسسة المسيحيين العراقيين عن تدمير الدير والمدرسة والكنيسة في يارون، ووصفت الواقعة بأنها استهداف لمواقع مسيحية تاريخية.

وأفادت وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن الدير لم يُدمَّر، وأن الموقع سليم وآمن. في المقابل، أقر الجيش الإسرائيلي بإلحاق أضرار بـ«مجمع ديني» في يارون، وقال إن ذلك حصل خلال نشاط عسكري مرتبط بإزالة ما وصفه بتهديدات وبنى تحتية تابعة لحزب الله.

كما نُشر فيديو يوتيوب لمشاهد تدمير مسجد في يارون جنوب لبنان، واقع بتاريخ 2026/10/6.

136. الاعتداء على مسجد في جبيل

التاريخ: 19 أيلول/سبتمبر 2026. المصدر: دائرة أوقاف جبل لبنان.

أفادة الوكالة الوطنية للإعلام بإدانت دائرة أوقاف جبل لبنان الاعتداء على مسجد في جبيل.

أبرز ما جاء في الخبر: إدانة الاعتداء على دار عبادة، واعتبار المسجد محلاً للحماية الدينية والمدنية. فإن الواقعة تضاف إلى سلسلة الاعتداءات التي طالت دور العبادة. كما يمكن تحديد القاعدة القانونية الأكثر انطباقاً للاعتداءات من قبل العدوان الإسرائيلي على دور العبادة، ولا سيما المادة 52 أو المادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول، فضلاً عن قواعد حماية الممتلكات الدينية في القانون الدولي الإنساني العرفي.

147. تدمير مسجد في برغشيت

التاريخ: 4 نيسان/أبريل 2026. المصدر: قناة الجزيرة / الوكالة الوطنية للإعلام. المكان: برعشيت – جنوب لبنان.

أفادت وكالة الأنباء اللبنانية قناة الجزيرة بأن مسجداً دُمّر جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة برعشيت.

أبرز ما جاء في الخبر: تدمير العدوان الإسرائيلي مسجداً نتيجة غارة جوية، ووقوع الغارة في بلدة برعشيت في منطقة بنت جبيل. فإن الضربة جاءت ضمن سياق العمليات العسكرية والغارات على بلدات جنوب لبنان.

15ثالثاً: التكييف القانوني وهل تشكل هذه الأفعال جرائم حرب؟

تُشير المعطيات الميدانية والتوثيقات المتاحة إلى أن المنشآت الدينية المستهدفة كانت أعياناً مدنية مخصصة حصراً لممارسة الشعائر والخدمات الاجتماعية، ولم يثبت استخدامها لأي أغراض عسكرية أو مساهمتها في المجهود الحربي.

وعليه، فإن التعمد في توجيه الهجمات ضد أماكن العبادة والأعيان التاريخية – مع العلم بطبيعتها وحظر استهدافها – يشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى جريمة حرب وفق أحكام المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما أن أعمال السخرية والتدنيس الموجهة ضد الرموز والطقوس الدينية تُعد خرقاً قائماً بذاته لوظيفة الحماية المقررة للمعتقدات الدينية.

16خاتمة

إن حماية دور العبادة في أوقات النزاعات المسلحة ليست حماية رمزية، بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة قانونية دولية ملزمة تهدف إلى صون الكرامة الإنسانية والتراث الروحي للشعوب. إن ما شهدته مناطق جنوب لبنان خلال عام 2026 يستدعي تفعيل أدوات المحاسبة الدولية، وتحريك المسؤولية الجنائية الفردية والمؤسسية لمنع الإفلات من العقاب وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

17المراجع

  • اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، المادة 27.

  • البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، المواد 52 و53 و57.

  • القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدتان 38 و104.

  • اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.

  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

  • منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

  • المصادر الإعلامية والتوثيقية المشار إليها في الوقائع.

مشاركة

XLinkedIn

تواصل معنا

اقتباس أو إعادة نشر أعمالنا

للاستفسارات الصحفية أو طلبات الاقتباس أو إذن إعادة النشر، يرحّب فريقنا بمراسلات الباحثين والصحفيين والمنظمات الشريكة.

ما نقوم عليه

المعرفة. الحقوق. التمكين.
كلّ المراسلات